Skip to content

03 الفصل الثاني في ذكر الأمور التي يستمد منها الإيمان من كتاب التوضيح والبيان للشيخ السعدي

Download transcript

Choose transcript file format

المكتبة الصوتية للعلامة الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله الفصل الثاني في ذكر الامور التي يستمد منها الايمان وهذا فصل عظيم النفع والحاجة بل الضرورة ماسة الى معرفته والعناية به معرفة واتصافا

وذلك ان الايمان هو كمال العبد وبه ترتفع درجاته في الدنيا والاخرة وهو السبب والطريق لكل خير عاجل واجل ولا يحصل ولا يقوى ولا يتم الا بمعرفة ما منه يستمد

والى ينبوعه واسبابه وطرقه والله تعالى قد جعل لكل مطلوب سببا وطريقا يوصل اليه والايمان اعظم المطالب واهمها واعمها وقد جعل الله له مواد كبيرة تجلبه وتقويه كما كان له اسباب تضعفه وتوهيه

ومواده التي تجلبه وتقويه امران مجمل ومفصل اما المجمل فهو التدبر لايات الله المتلوة من الكتاب والسنة والتأمل لاياته الكونية على اختلاف انواعها والحرص على معرفة الحق الذي خلق له العبد

والعمل بالحق فجميع الاسباب مرجعها الى الاصل العظيم واما التفصيل فالايمان يحصل ويقوى بامور كثيرة منها بل اعظمها معرفة اسماء الله الحسنى الواردة في الكتاب والسنة والحرص على فهم معانيها والتعبد لله بها

فقد ثبت في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم انه قال ان لله تسعة وتسعين اسما مئة الا واحدة من احصاها دخل الجنة اي من حفظها وفهم معانيها واعتقدها وتعبد لله بها

دخل الجنة والجنة لا يدخلها الا المؤمنون اعلم ان ذلك اعظم ينبوع ومادة لحصول الايمان وقوته وثباته ومعرفة الاسماء الحسنى هي اصل الايمان والايمان يرجع اليها ومعرفتها تتضمن انواع التوحيد الثلاثة

توحيد الربوبية وتوحيد الالهية وتوحيد الاسماء والصفات وهذه الانواع هي روح الايمان وروحه واصله وغايته فكلما ازداد العبد معرفة باسماء الله وصفاته ازداد ايمانه وقوي يقينه فينبغي للمؤمن ان يبذل مقدوره ومستطاعه في معرفة الاسماء والصفات

وتكون معرفته سالمة من داء التعطيل ومن داء التمثيل الذين ابتلي بهما كثير من اهل البدع المخالفة لما جاء به الرسول بل تكون المعرفة متلقاة من الكتاب والسنة وما روي عن الصحابة والتابعين لهم باحسان

فهذه المعرفة النافعة التي لا يزال صاحبها في زيادة في ايمانه وقوة يقينه وطمأنينة في احواله ومنها تدبر القرآن على وجه العموم فان المتدبر لا يزال يستفيد من علوم القرآن ومعارفه

ما يزداد به ايمانه كما قال تعالى واذا تليت عليهم اياته زادتهم ايمانا وعلى ربهم يتوكلون وكذلك اذا نظر الى انتظامه واحكامه وانه يصدق بعضه بعضا ويوافق بعضه بعضا ليس فيه تناقض ولا اختلاف تيقن انه

لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد وانه لو كان من عند غير الله لوجد فيه من التناقض والاختلاف امور كثيرة قال تعالى افلا يتدبرون القرآن

ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا وهذا من اعظم مقويات الايمان ويقويه من وجوه كثيرة فالمؤمن بمجرد ما يتلو ايات الله ويعرف ما ركب عليه من الاخبار الصادقة

والاحكام الحسنة يحصل له من امور الايمان خير كبير فكيف اذا احسن تأمله وفهم مقاصده واسراره ولهذا كان المؤمنون الكمل يقولون ربنا اننا سمعنا مناديا ينادي للايمان ان امنوا بربكم فامنا

وكذلك معرفة احاديث النبي صلى الله عليه وسلم وما تدعو اليه من علوم الايمان واعماله كلها من محصلات الايمان ومقوياته فكلما ازداد العبد معرفة بكتاب الله وسنة رسوله ازداد ايمانه ويقينه

وقد يصل في علمه وايمانه الى مرتبة اليقين فقد وصف الله الراسخين في العلم الذين حصل لهم العلم التام القوي الذي يدفع الشبهات والريب ويوجب اليقين التام ولهذا كانوا سادة المؤمنين

الذين استشهد الله بهم واحتج بهم على غيرهم من المرتابين والجاحدين كما قال تعالى هو الذي انزل عليك الكتاب منه ايات محكمات هن ام هن ام الكتاب واخر متشابهات فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء

ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم يقولون امنا به كل من عند ربنا وما يذكر الا اولوا الالباب فالراسخون زال عنهم الجهل والريب وانواع الشبهات

ورد المتشابه من الايات الى المحكم منها وقالوا امنا بالجميع فكلها من عند الله وما ورد منه وما تكلم به وحكم به كله حق وصدق وقال تعالى لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما انزل اليك وما انزل منك

قبلك وقال شهد الله انه لا اله الا هو والملائكة واولو العلم قائما بالقسط لا اله الا هو العزيز الحكيم ولعلمهم بالقرآن العلم التام وايمانهم الصحيح استشهد بهم في الدنيا والاخرة

كما قال تعالى وقال الذين اوتوا العلم والايمان لقد لبثتم في كتاب الله الى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون واخبر تعالى في عدة ايات ان القرآن ايات للمؤمنين

وايات للموقنين لانه يحصل لهم بتلاوته وتدبره من العلم واليقين والايمان بحسب ما فتح الله عليهم منه فلا يزالون يزدادون علما وايمانا ويقينا التدبر للقرآن من اعظم الطرق والوسائل الجالبة للايمان والمقوية له

قال تعالى كتاب انزلناه اليك مبارك ليدبروا اياته وليتذكر اولوا الالباب فاستخراج بركة القرآن التي من اهمها حصول الايمان سبيله وطريقه تدبر اياته وتأملها كما ذكر ان تدبره يوقف الجاحد عن جحوده

ويمنع المعتدي على الدين من اعتدائه قال تعالى افلم يتدبروا القول اي فلو تدبروه حق تدبره لمنعهم مما هم عليه من الكفر والتكذيب واوجب لهم الايمان واتباع من جاء به

وقال تعالى بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه اي فلو حصل لهم الاحاطة بعلمه لمنعهم من التكذيب واوجب لهم الايمان ومن طرق موجبات الايمان واسبابه معرفة النبي صلى الله عليه وسلم

ومعرفة ما هو عليه من الاخلاق العالية والاوصاف الكاملة فان من عرفه حق المعرفة لم يرتب في صدقه وصدق ما جاء به من الكتاب والسنة والدين الحق كما قال تعالى

ام لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون اي فمعرفته صلى الله عليه وسلم توجب للعبد المبادرة الى الايمان ممن يؤمن وزيادة الايمان ممن امن به وقال تعالى حاثا لهم على تدبر احوال الرسول الداعية للايمان

قل انما اعظكم بواحدة ان تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما لصاحبكم من جنة ان هو الا نذير لكم بين يدي عذاب شديد واقسم تعالى بكمال هذا الرسول وعظمة اخلاقه

وانه اكمل مخلوق بقوله بسم الله الرحمن الرحيم نون والقلم وما يسطرون ما انت بنعمة ربك بمجنون وان لك لاجرا غير ممنون وانك لعلى خلق عظيم فهو صلى الله عليه وسلم اكبر داع للايمان في اوصافه الحميدة

وشمائله الجميلة واقواله الصادقة النافعة وافعاله الرشيدة فهو الامام الاعظم والقدوة الاكمل لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة وما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وقد ذكر الله عن اولي الالباب الذين هم خواص الخلق انهم قالوا

ربنا اننا سمعنا مناديا وهو هذا الرسول الكريم ينادي للايمان بقوله وخلقه وعمله ودينه وجميع احواله ان امنوا بربكم فامنا اي ايمانا لا يدخله ريب ولما كان هذا الايمان من اعظم ما يقرب العبد الى الله

ومن اعظم الوسائل التي يحبها الله توسلوا بايمانهم ان يكفر عنهم السيئات وينيلهم المطالب العاليات فقالوا ربنا اننا سمعنا مناديا ينادي للايمان ان امنوا بربكم فامنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الابرار

ولهذا كان الرجل المنصف الذي ليس له ارادة الا اتباع الحق مجرد ما يراه ويسمع كلامه يتبادر الى الايمان به صلى الله عليه وسلم ولا يرتاب في رسالته بل كثير منهم مجرد ما يرى وجهه الكريم

يعرف انه ليس بوجه كذاب وقيل لبعضهم لما بادرت الى الايمان بمحمد قبل ان تعرف رسالته فقال ما امر بشيء فقال العقل ليته نهى عنه ولا نهى عن شيء فقال العقل ليته امر به

فاستدل هذا العاقل الموفق بحسن شريعته وموافقتها للعقول الصحيحة على رسالته فبادر الى الايمان به ولهذا استدل ملك الروم هرقل لما وصف له ما جاء به الرسول وما كان يأمر به وما ينهى عنه

استدل بذلك انه من اعظم الرسل واعترف بذلك اعترافا جليا ولكن منعته الرئاسة وخشية زوال ملكه من اتباعه كما منعت كثيرا ممن اتضح لهم انه رسول الله حقا وهذا من اكبر موانع الايمان في حق امثال هؤلاء

واما اهل البصائر والعقول الصحيحة فانهم يرون هذه الموانع والرئاسات والشبهات والشهوات تضمحل ولا يرون لها قيمة حتى يعارض بها الحق الصحيح النافع المثمر للسعادة عاجلا واجلا ولهذا السبب الاعظم

كان المعتنون بالقرآن حفظا ومعرفة والمعتنون بالاحاديث الصحيحة اعظم ايمانا ويقينا من غيرهم واحسن عملا في الغالب ومن اسباب الايمان ودواعيه التفكر في الكون في خلق السماوات والارض وما فيهن من المخلوقات المتنوعة

والنظر في نفس الانسان وما هو عليه من الصفات فان ذلك داع قوي للايمان لما في هذه الموجودات من عظمة الخلق الدال على قدرة خالقها وعظمته وما فيها من الحسن والانتظام

والاحكام الذي يحير الالباب الدال على سعة علم الله وشمول حكمته وما فيها من اصناف المنافع والنعم الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى الدالة على سعة رحمة الله وجوده وبره

وذلك كله يدعو الى تعظيم مبدعها وبارئها وشكره واللهج بذكره واخلاص الدين له وهذا هو روح الايمان وسره وكذلك النظر الى فقر المخلوقات كلها واضطرارها الى ربها من كل الوجوه

وانها لا تستغني عنه طرفة عين خصوصا ما تشاهده في نفسك من ادلة الافتقار وقوة الاضطرار وذلك يوجب للعبد كمال الخضوع وكثرة الدعاء والتضرع الى الله في جلب ما يحتاجه من منافع دينه ودنياه

ودفع ما يضره في دينه ودنياه ويوجب له قوة التوكل على ربه وكمال الثقة بوعده وشدة الطمع في بره واحسانه وبهذا يتحقق الايمان ويقوى التعبد فان الدعاء مخ العبادة وخالصها

وكذلك التفكر في كثرة نعم الله والائه العامة والخاصة التي لا يخلو منها مخلوق طرفة عين فان هذا يدعو الى الايمان ولهذا دعا الله الرسول والمؤمنين الى شكره فقال يا ايها الذين امنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله

واشكروا لله ان كنتم اياه تعبدون فالايمان يدعو الى الشكر والشكر ينمو به الايمان فكل منهما ملازم وملزوم للاخر ومن اسباب دواعي الايمان الاكثار من ذكر الله كل وقت ومن الدعاء الذي هو مخ العبادة

فان الذكر لله يغرس شجرة الايمان في القلب ويغذيها وينميها وكلما ازداد العبد ذكرا لله قوي ايمانه كما ان الايمان يدعو الى كثرة الذكر فمن احب الله اكثر من ذكره

ومحبة الله هي الايمان بل هي روحه ومن الاسباب الجالبة للايمان معرفة محاسن الدين فان الدين الاسلامي كله محاسن عقائده اصح العقائد واصدقها وانفعها واخلاقه احمد الاخلاق واجملها واعماله واحكامه احسن الاحكام واعدلها

وبهذا النظر الجليل يزين الله الايمان في قلب العبد ويحببه اليه كما امتن به على خيار خلقه بقوله ولكن الله حبب اليكم الايمان وزينه في قلوبكم ويكون الايمان في القلب اعظم المحبوبات واجمل الاشياء

وبهذا يذوق العبد حلاوة الايمان ويجدها في قلبه فيتجمل الباطن باصول الايمان وحقائقه وتتجمل الجوارح باعمال الايمان وفي الدعاء المأثور اللهم زينا بزينة الايمان واجعلنا هداة مهتدين ومن اعظم مقويات الايمان

الاجتهاد في التحقق في مقام الاحسان في عبادة الله والاحسان الى خلقه فيجتهد ان يعبد الله كأنه يشاهده ويراه فان لم يقوى على هذا استحضر ان الله يشاهده ويراه فيجتهد في اكمال العمل واتقانه

ولا يزال العبد يجاهد نفسه ليتحقق بهذا المقام العالي حتى يقوى ايمانه ويقينه ويصل في ذلك الى حق اليقين الذي هو اعلى مراتب اليقين فيذوق حلاوة الطاعات ويجد ثمرة المعاملات

وهذا هو الايمان الكامل وكذلك الاحسان الى الخلق بالقول والفعل والمال والجاه وانواع المنافع هو من الايمان ومن دواعي الايمان والجزاء من جنس العمل فكما احسن الى عباد الله واوصل اليهم من بره ما يقدر عليه

احسن الله اليه انواعا من الاحسان ومن افضلها ان يقوى ايمانه ورغبته في فعل الخير والتقرب الى ربه واخلاص العمل له وبذلك يتحقق العبد بالنصح لله ولعباده فان الدين النصيحة

ومن وفق للاحسان في عبادة ربه والاحسان في معاملة الخلق فقد تحقق نصحه ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يؤمن احدكم حتى يحب لاخيه ما يحب لنفسه متفق عليه

ومنها قوله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم قد افلح المؤمنون الى قوله اولئك هم الوارثون الايات فهذه الصفات الثماني كل واحدة منها تثمر الايمان وتنميه كما انها من صفات الايمان

وداخلة في تفسيره كما تقدم فحضور القلب في الصلاة وكون المصلي يجاهد نفسه على استحضار ما يقوله ويفعله من القراءة والذكر والدعاء فيها ومن القيام والقعود والركوع والسجود من اسباب زيادة الايمان ونموه

وتقدم ان الله سمى الصلاة ايمانا بقوله وما كان الله ليضيع ايمانكم وقوله واقم الصلاة ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله اكبر فهي اكبر ناه عن كل فحشاء ومنكر ينافي الايمان

كما انها تحتوي على ذكر الله الذي يغذي الايمان وينميه لقوله ولذكر الله اكبر والزكاة كذلك تنمي الايمان وتزيده وهي فرضها ونفلها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم والصدقة برهان

اي على ايمان صاحبها فهي دليل الايمان وتغذيه وتنميه والاعراض عن اللغو الذي هو كل كلام لا خير فيه وكل فعل لا خير فيه بل يقولون الخير ويفعلونه ويتركون الشر قولا وفعلا

لا شك انه من الايمان ويزداد به الايمان ويثمر الايمان ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم اذا وجدوا غفلة او تشعث ايمانهم يقول بعضهم لبعض اجلس بنا نؤمن ساعة

فيذكرون الله ويذكرون نعمه الدينية والدنيوية فيتجدد بذلك ايمانهم وكذلك العفة عن الفواحش خصوصا فاحشة الزنا لا ريب ان هذا من اكبر علامات الايمان ومنمياته فالمؤمن لخوفه مقامه بين يدي ربه

ونهى النفس عن الهوى اجابة لداعي الايمان وتغذية لما معه من الايمان ورعاية الامانات والعهود وحفظها من علائم الايمان وفي الحديث لا ايمان لمن لا امانة له واذا اردت ان تعرف ايمان العبد ودينه

فانظر حاله هل يرعى الامانات كلها مالية او قولية او امانات الحقوق وهل يرعى الحقوق والعهود والعقود التي بينه وبين الله والتي بينه وبين العباد فان كان كذلك فهو صاحب دين وايمان

وان لم يكن كذلك نقص من دينه وايمانه بمقدار ما انتقص من ذلك وختمها بالمحافظة على الصلوات على حدودها وحقوقها واوقاتها لان المحافظة على ذلك بمنزلة الماء الذي يجري على بستان الايمان

فيسقيه وينميه ويؤتي اكله كل حين وشجرة الايمان كما تقدم محتاجة الى تعاهدها كل وقت بالسقي وهو المحافظة على اعمال اليوم والليلة من الطاعات والعبادات والى ازالة ما يضرها من الصخور والنوابت الغريبة الضارة

وهو العفة عن المحرمات قولا وفعلا فمتى تمت هذه الامور حي هذا البستان وزها واخرج الثمار المتنوعة ومن دواعي الايمان واسبابه الدعوة الى الله والى دينه والتواصي بالحق والتواصي بالصبر

والدعوة الى اصل الدين والدعوة الى التزام شرائعه بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر وبذلك يكمل العبد بنفسه ويكمل غيره كما اقسم تعالى بالعصر ان جنس الانسان لفي خسر الا من اتصف بصفات اربع

الايمان والعمل الصالح الذين بهما تكميل النفس والتواصي بالحق الذي هو العلم النافع والعمل الصالح والدين الحق وبالصبر على ذلك كله وبهما يكمل غيره وذلك ان نفس الدعوة الى الله والنصيحة لعباده من اكبر مقويات الايمان

وصاحب الدعوة لابد ان يسعى بنصر هذه الدعوة ويقيم الادلة والبراهين على تحقيقها ويأتي الامور من ابوابها ويتوسل الى الامور من طرقها وهذه الامور من طرق الايمان وابوابه وايضا فان الجزاء من جنس العمل

فكما سعى الى تكميل العباد ونصحهم وتوصيتهم بالحق وصبر على ذلك لابد ان يجازيه الله من جنس عمله ويؤيده بنور منه وروح بقوة ايمانه وقوة التوكل فان الايمان وقوة التوكل على الله

يحصل به النصر على الاعداء من شياطين الانس وشياطين الجن كما قال تعالى انه ليس له سلطان على الذين امنوا وعلى ربهم يتوكلون وايضا فانه متصد لنصر الحق ومن تصدى لشيء

فلا بد ان يفتح عليه فيه من الفتوحات العلمية والايمانية بمقدار صدقه واخلاصه ومن اهم مواد الايمان ومقوياته توطين النفس على مقاومات جميع ما ينافي الايمان من شعب الكفر والنفاق والفسوق والعصيان

فانه كما انه لابد في الايمان من فعل جميع الاسباب المقوية المنمية له فلابد مع ذلك من دفع الموانع والعوائق وهي الاقلاع عن المعاصي والتوبة مما يقع منها وحفظ الجوارح كلها عن المحرمات

ومقاومة فتن الشبهات القادحة في علوم الايمان المضعفة له والشهوات المضعفة لارادات الايمان فان الارادات التي اصلها الرغبة في الخير ومحبته والسعي فيه لا تتم الا بترك ايرادات ما ينافيها

من رغبة النفس في الشر ومقاومة النفس الامارة بالسوء فمتى حفظ العبد من الوقوع في فتن الشبهات وفتن الشهوات تم ايمانه وقوي يقينه وصار مثل بستان ايمانه كمثل جنة بربوة اصابها وابل فاتت اكلها ضعفين

فاتت اكلها ضعفين فان لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير ومتى كان الامر بالعكس بان استولت عليه النفس الامارة بالسوء ووقع في فتن الشبهات او الشهوات او كليهما

انطبق عليه هذا المثل وهو قوله تعالى ايود احدكم ان تكون له جنة من نخيل واعناب تجري تجري من تحتها الانهار له فيها من كل الثمرات واصابه الكبر واصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فاصابها اعصار

فاصابها اعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الايات لعلكم تتفكرون فالعبد المؤمن الموفق لا يزال يسعى في امرين احدهما تحقيق اصول الايمان وفروعه والتحقق بها علما وعملا وحالا

والثاني السعي في دفع ما ينافيها وينقضها او ينقصها من الفتن الظاهرة والباطنة ويداوي ما قصر فيه من الاول وما تجرأ عليه من الثاني بالتوبة النصوح وتدارك الامر قبل فواته

قال تعالى ان الذين اتقوا اذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا تذكروا فاذا هم مبصرون اي مبصرون الخلل الذي وقعوا فيه والنقص الذي اصابهم من طائف الشيطان الذي هو اعدى الاعداء للانسان

فاذا ابصروا تداركوا هذا الخلل بسده وهذا الفتق برطقه فعادوا الى حالهم الكاملة وعاد عدوهم حسيرا ذليلا واخوان الشياطين يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون الشياطين لا تقصر عن اغوائهم وايقاعهم في اشراك الهلاك

والمستجيبون لهم لا يقصرون عن طاعة اعدائهم والاستجابة لدعوتهم حتى يقعوا في الهلاك ويحق عليهم الخسارة اللهم حبب الينا الايمان وزينه في قلوبنا وكره الينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين

بفضلك ومنتك انك انت العليم الحكيم

    Install Faqieh

    Keep lessons, searchable transcripts, and study tools one tap away.

    Share

    Anyone with this link can open it.