Skip to content

04 الفصل الثالث في فوائد الإيمان وثمراته من كتاب التوضيح والبيان للشيخ السعدي

Download transcript

Choose transcript file format

المكتبة الصوتية للعلامة الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله الفصل الثالث في فوائد الايمان وثمراته تملي الايمان الصحيح من الفوائد والثمرات العاجلة والاجلة في القلب والبدن والراحة والحياة الطيبة والدنيا والاخرة

وكم لهذه الشجرة الايمانية من الثمار اليانعة والجنى اللذيذ والاكل الدائم والخير المستمر امور لا تحصى وفوائد لا تستقصى ومجملها ان خيرات الدنيا والاخرة ودفع الشرور كلها من ثمرات هذه الشجرة

وذلك ان هذه الشجرة اذا ثبتت وقويت اصولها وتفرعت فروعها وزهت اغصانها واينعت افنانها عادت على صاحبها وعلى غيره بكل خير عاجل واجل فمن اعظم ثمارها الاغتباط بولاية الله الخاصة

التي هي اعظم ما تنافس فيه المتنافسون واجل ما حصله الموفقون قال تعالى الا ان اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ثم وصفهم بقوله الذين امنوا وكانوا يتقون

فكل مؤمن تقي فهو لله ولي ولاية خاصة من ثمراتها ما قاله الله عنهم الله ولي الذين امنوا يخرجهم من الظلمات الى النور ان يخرجهم من ظلمات الكفر الى نور الايمان

ومن ظلمات الجهل الى نور العلم ومن ظلمات المعاصي الى نور الطاعة ومن ظلمات الغفلة الى نور اليقظة والذكر وحاصل ذلك انه يخرجهم من ظلمات الشرور المتنوعة الى ما يرفعها من انوار الخير العاجل والاجل

وانما حاجوا هذا العطاء الجزيل بايمانهم الصحيح وتحقيقهم هذا الايمان بالتقوى فان التقوى تمام الايمان كما تقدم تحقيقه ومن ثمرات الايمان الفوز برضا الله ودار كرامته قال تعالى والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض

يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله اولئك سيرحمهم الله ان الله عزيز حكيم وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الانهار خالدين

خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله اكبر ذلك هو الفوز العظيم فنالوا رضا ربهم ورحمته والفوز بهذه المساكن الطيبة بايمانهم الذي كملوا به انفسهم وكملوا غيرهم بقيامهم بطاعة الله وطاعة رسوله

والامر بالمعروف والنهي عن المنكر فاستولوا على اجل الوسائل وافضل الغايات وذلك فضل الله ومنها ان الايمان الكامل يمنع من دخول النار والايمان ولو قليلا يمنع من الخلود فيها فان من امن ايمانا ادى به الواجبات وترك المحرمات

فانه لا يدخل النار فما تواترت بذلك الاحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الاصل اما تواتر عنه صلى الله عليه وسلم انه لا يخلد في النار من في قلبه شيء من الايمان ولو يسيرا

ومن ثمرات الايمان ان الله يدافع عن المؤمنين جميع المكاره وينجيهم من الشدائد كما قال تعالى ان الله يدافع عن الذين امنوا ان يدافعوا عنهم كل مكروه يدافع عنهم شر شياطين الانس وشياطين الجن

ويدافع عنهم الاعداء ويدافع عنهم المكاره قبل نزولها ويرفعها او يخففها بعد نزولها ولما ذكر تعالى ما وقع فيه يونس عليه الصلاة والسلام وانه نادى في الظلمات ان لا اله الا انت سبحانك اني

سبحانك اني كنت من الظالمين قال فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين اذا وقعوا في الشدائد كما انجينا يونس قال النبي صلى الله عليه وسلم دعوة اخي يونس

ما دعا بها مكروب الا فرج الله عنه كربته لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين وقال تعالى ومن يتق الله اي بالقيام بالايمان ولوازمه يجعل له مخرجا

اي من كل ما ضاق على الناس ومن يتق الله يجعل له من امره يسرا المؤمن المتقي ييسر الله اموره وييسره لليسرى ويجنبه العسرى ويسهل عليه الصعاب ويجعل له من كل هم فرجا

ومن كل ضيق مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب وشواهد هذا كثيرة من الكتاب والسنة ومنها ان الايمان والعمل الصالح الذي هو فرعه يثمر الحياة الطيبة في هذه الدار وفي دار القرار

قال تعالى من عمل صالحا من ذكر او انثى وهو مؤمن فلنحيينه فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم اجرهم باحسن ما كانوا يعملون وذلك ان من خصائص الايمان انه يثمر طمأنينة القلب وراحته

وقناعته بما رزق الله وعدم تعلقه بغيره وهذه هي الحياة الطيبة فان اصل الحياة الطيبة راحة القلب وطمأنينته وعدم تشوشه مما يتشوش منه للايمان الصحيح ومنها ان جميع الاعمال والاقوال

انما تصح وتكمل بحسب ما يقوم بقلب صاحبها من الايمان والاخلاص ولهذا يذكر الله هذا الشرط الذي هو اساس كل عمل مثل قوله فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه

اي لا يجحد سعيه ولا يضيع عمله بل يضاعف بحسب قوة ايمانه وقال ومن اراد الاخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فاولئك فاولئك كان سعيهم مشكورا والسعي للاخرة هو العمل بكل ما يقرب اليها ويدني منها

من الاعمال التي شرعها الله على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فاذا تأسست على الايمان وانبنت عليه كان السعي مشكورا مقبولا مضاعفا لا يضيع منه مثقال ذرة واما اذا فقد العمل الايمان

فلو استغرق العامل ليله ونهاره فانه غير مقبول قال تعالى وقدمنا الى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء ثورا وذلك لانها اسست على غير الايمان بالله ورسوله الذي روحه الاخلاص للمعبود والمتابعة للرسول

وقال تعالى قل هل ننبئكم بالاخسرين اعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا اولئك الذين كفروا بايات ربهم ولقائه فحبطت اعمالهم فحبطت اعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا

فهم لما فقدوا الايمان وحل محله الكفر بالله واياته حبطت اعمالهم وقال تعالى لئن اشركت ليحبطن عملك ولو اشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ولهذا كانت الردة عن الايمان تحبط جميع الاعمال الصالحة

كما ان الدخول في الاسلام والايمان يجب ما قبله من السيئات وان عظمت والتوبة من الذنوب المنافية للايمان والقادحة فيه والمنقصة له تجب ما قبلها ومنها ان صاحب الايمان يهديه الله الى الصراط المستقيم

ويهديه في الصراط المستقيم يهديه الى علم الحق والى العمل به والى تلقي المحاب والمسار بالشكر وتلقي المكاره والمصائب بالرضا والصبر قال تعالى ان الذين امنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بايمانهم

وقال تعالى ما اصاب من مصيبة الا باذن الله ومن يؤمن بالله يهدي قلبه قال بعض السلف هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم انها من عند الله فيرضى ويسلم ولو لم يكن من ثمرات الايمان

الا انه يسلي صاحبه عن المصائب والمكاره التي كل احد عرضة لها في كل وقت ومصاحبة الايمان واليقين اعظم مصل عنها ومهون لها وذلك لقوة ايمانه وقوة توكله ولقوة رجائه بثواب ربه

وطمعه في فضله فحلاوة الاجر تخفف مرارة الصبر قال تعالى ان تكونوا تألمون فانهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون ولهذا تجد اثنين تصيبهم مصيبة واحدة او متقاربة

واحدهما عنده ايمان والاخر فاقد له تجد الفرق العظيم بين حاليهما وفي تأثيرها في ظاهرهما وباطنهما وهذا الفرق راجع الى الايمان والعمل بمقتضاه وكما انه يصلي عند ورود المصائب والمكاره

فانه يسلي عند فقد المحاب فاذا فقد مؤمن حبيبه الذي تمكن حبه من قلبه من اهل وولد ومال وصديق وشبهها تسلى بحلاوة ايمانه والايمان خير عوض للمؤمن عن كل مفقود

كما هو مشاهد مجرب وفقد المحبوب في الحقيقة معدود من المصائب ولولا ان يعقوب عليه الصلاة والسلام عنده من الايمان ما يهون عليه مصيبته في فقد يوسف مع شدة حبه العظيم

بحيث قال لاخوته لما طلبوا منه بعض يوم ان يذهب معهم ليرتع ويلعب قال اني ليحزنني ان تذهبوا به فاخبر ان المانع له من ارساله انه لا يصبر على فراقه ولا ساعة من نهار

ولكنهم عالجوه وذكروا له الاسباب التي توجب له ان يرسله معهم فارسله ليقضي الله امرا كان مفعولا فمن هذه حاله وهذا حبه البليغ الذي لا يمكن المعبر ان يعبر عنه

هل يدخل في الذهن انه يبقى هذه المدة الطويلة على الوجود بل يغلب على الظن ان الحب يفتت كبده باسرع وقت ولكن قوة الايمان وقوة الرجاء بالله اوجب له ان يتماسك كل هذه المدة

حتى جاء الله بالفرج الذي وعد به المؤمنون وكذلك ام موسى حين ذهب اليم بموسى واصبح فؤادها فارغا من كل شيء الا من الحزن على موسى لولا ان الله ربط على قلبها بالايمان

وعلمت ان وعد الله حق لكادت تبدي بما في قلبها وتصرح بمصيبتها ولكن هو الايمان المثبت عند الشدائد المسلي عند المصائب المقوي اذا وهنت القوى المعزي اذا عز العزاء وقال النبي صلى الله عليه وسلم

في وصيته العظيمة في حديث ابن عباس الصحيح الذي في السنن تعرف الى الله في الرخاء يعرفك في الشدة اي تعرف الى الله بالايمان واعمال الايمان وانت صحيح غني قوي

يعرفك الله في الشدة يقويك الله على مباشرتها ويعينك على معالجتها واعظم شدة تنزل بالمؤمن شدة الموت وسكراته فهذا الحديث بشرى لكل مؤمن قد تعرف الى ربه في رخائه ان يعينه في ذلك المقام الحرج

والشدة المزعجة وضعف القوى وتكاثف الشياطين الذين يريدون ان يحولوا بين العبد وبين ختم حياته بالخير فان الله يعينه بتأييده وروحه ورحمته ولا حول ولا قوة الا بالله ومن ثمرات الايمان ولوازمه من الاعمال الصالحة

ما ذكره الله بقوله ان الذين امنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا اي بسبب ايمانهم واعمال الايمان يحبهم الله ويجعل لهم المحبة في قلوب المؤمنين ومن احبه الله واحبه المؤمنون من عباده

حصلت له السعادة والفلاح والفوائد الكثيرة من محبة المؤمنين من الثناء والدعاء له حيا وميتا والاقتداء به وحصول الامامة في الدين وهذه ايضا من اجل ثمرات الايمان ان يجعل الله المؤمنين الذين كملوا ايمانهم بالعلم والعمل لسان صدق

ويجعلهم ائمة يهتدون بامره كما قال تعالى وجعلنا منهم ائمة يهدون بامرنا لما صبروا وكانوا باياتنا يوقنون فبالصبر واليقين الذين هما رأس الايمان وكماله نالوا الامامة في الدين ومنها قوله تعالى

يرفع الله الذين امنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات فاهل الايمان والعلم يرفعهم الله في الدنيا والاخرة فهم اعلى الخلق درجة عند الله وعند عباده في الدنيا والاخرة وانما نالوا هذه الرفعة بايمانهم الصحيح وعلمهم ويقينهم

والعلم واليقين من اصول الايمان ومن ثمرات الايمان حصول البشارة بكرامة الله والامن التام من جميع الوجوه كما قال تعالى وبشر المؤمنين فاطلقها ليعم الخير العاجل والاجل وقيدها في مثل قوله تعالى

وبشر الذين امنوا وعملوا الصالحات ان لهم ان لهم جنات تجري من تحتها الانهار فلهم البشارة المطلقة والمقيدة ولهم الامن المطلق في مثل قوله تعالى الذين امنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم اولئك

اولئك لهم الامن وهم مهتدون ولهم الامن المقيد في مثل قوله تعالى فمن امن واصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون فنفى عنهم الخوف لما يستقبلونه والحزن مما مضى عليهم

وبذلك يتم لهم الامن فالمؤمن له الامن التام في الدنيا والاخرة امن من سخط الله وعقابه وامن من جميع المكاره والشرور وله البشارة الكاملة بكل خير كما قال تعالى لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الاخرة

ويوضح هذه البشارة قوله تعالى ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة تتنزل عليهم الملائكة الا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن اوليائكم في الحياة الدنيا وفي الاخرة

ولكم فيها ما تشتهي انفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم وقال تعالى يا ايها الذين امنوا اتقوا الله وامنوا برسوله يؤتكم كفلين يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم

والله غفور رحيم فرتب على الايمان حصول الثواب المضاعف وكمال النور الذي يمشي به العبد في حياته ويمشي به يوم القيامة يوم ترى المؤمنين يسعى نورهم بين ايديهم وبايمانهم وبايمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الانهار

فالمؤمن يمشي في الدنيا بنور علمه وايمانه واذا طفأت الانوار يوم القيامة مشى بنوره على الصراط حتى يجوز به الى دار الكرامة والنعيم وكذلك رتب المغفرة على الايمان ومن غفرت سيئاته سلم من العقاب

ونال اعظم الثواب ومن ثمرات الايمان حصول الفلاح الذي هو ادراك غاية الغايات فانه ادراك كل مطلوب والسلامة من كل مرهوب والهدى الذي هو اشرف الوسائل كما قال تعالى بعد ذكره المؤمنين بما انزل على محمد صلى الله عليه وسلم

وما انزل على من قبله والايمان بالغيب واقامة الصلاة وايتاء الزكاة اللتين هما من اعظم اثار الايمان قال تعالى اولئك على هدى من ربهم واولئك هم المفلحون فهذا هو الهدى التام

والفلاح الكامل فلا سبيل الى الهدى والفلاح الذين لا صلاح ولا سعادة الا بهما الا بالايمان التام بكل كتاب انزله الله وبكل رسول ارسله الله فالهدى اجل الوسائل والفلاح اكمل الغايات

ومن ثمرات الايمان الانتفاع بالمواعظ والتذكير بالايات قال تعالى وذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين ان في ذلك لاية للمؤمنين ومثل هذا قوله صلى الله عليه وسلم المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على اذاهم

خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على اذاهم ومفهوم هذه النصوص الصحيحة المحكمة ان فاقد الايمان لا خير فيه لانه اذا عدم الايمان فاما ان يكون الشخص احواله كلها شر وضرر على نفسه

وعلى المجتمع من جميع الوجوه واما ان يكون فيه بعض الخير الذي قد انغمر بالشر وغلب شره خيره والمصالح اذا انغمرت واضمحلت في المفاسد صارت شرا لان الخير الذي معه يقابله شر نظيره

فيتساقطان ويبقى الشر الذي لا مقابل له من الخير يعمل عمله ومن تأمل الواقع في الخلق رأى الامر كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وهذا لان الايمان يحمل صاحبه على التزام الحق

واتباعه علما وعملا وكذلك معه الالة العظيمة والاستعداد لتلقي المواعظ النافعة والايات الدالة على الحق وليس عنده مانع يمنعه من قبول الحق ولا من العمل به وايضا فالايمان يوجب سلامة الفطرة وحسن القصد

ومن كان كذلك انتفع بالايات ومن لم يكن كذلك فلا يستغرب عدم قبوله للحق واتباعه له ولهذا يذكر الله في سياق تمنع الكافرين من تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم

وقبول الحق الذي جاء به السبب الذي اوجب لهم ذلك وهو الكفر الذي في قلوبهم يعني لان الحق واضح واياته بينة واضحة والكفر اعظم مانع يمنع من اتباعه اي فلا تستغربوا هذه الحالة

فانها لم تزل دأب كل كافر ومنها ان الايمان يحمل صاحبه على الشكر في حالة السراء والصبر في حالة الضراء وكسب الخير في كل اوقاته كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال

عجبا لامر المؤمن ان امره كله خير ان اصابته سراء شكر فكان خيرا له وان اصابته ضراء صبر فكان خيرا له وليس ذلك لاحد الا للمؤمن والشكر والصبر هما جماع كل خير

فالمؤمن مغتنم للخيرات في كل اوقاته رابح في كل حالاته وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم انه قال لا يصيب المؤمن من هم ولا غم ولا اذى الا كفر الله عنه بها من خطاياه

فيجتمع للمؤمن عند النعم والسراء نعمتان نعمة حصول ذلك المحبوب ونعمة التوفيق للشكر الذي هو اعلى من ذلك وبذلك تتم عليه النعمة ويجتمع له عند الضراء ثلاث نعم نعمة تكفير السيئات

ونعمة حصول مرتبة الصبر التي هي اعلى من ذلك ونعمة سهولة الضراء عليه لانه متى عرف حصول الاجر والثواب والتمرن على الصبر هانت عليه وطأة المصيبة وخف عليه حملها ومنها ان الايمان يقطع الشكوك

التي تعرض لكثير من الناس فتضر بدينهم قال الله تعالى انما المؤمنون الذين امنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا اي دفع الايمان الصحيح الذي معهم الريب والشك الموجود وازاله بالكلية

وقاوم الشكوك التي تلقيها شياطين الانس والجن والنفوس الامارة بالسوء فليس لهذه العلل المهلكة دواء الا تحقيق الايمان ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث ابي هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال

لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله فمن وجد ذلك فليقل امنت بالله ولينتهي وليتعوذ بالله من الشيطان فذكر صلى الله عليه وسلم هذا الدواء النافع لهذا الداء المهلك

وهو ثلاثة اشياء الانتهاء عن هذه الوساوس الشيطانية والاستعاذة من شر من القاها وشبه بها ليضل بها العباد والاعتصام بعصمة الايمان الصحيح الذي من اعتصم به كان من الامنين وذلك لان الباطل يتضح بطلانه بامور كثيرة

اعظمها العلم انه مناف للحق وكل ما ناقض الحق فهو باطل فماذا بعد الحق الا الضلال ومنها ان الايمان ملجأ المؤمنين في كل ما يلم بهم من سرور وحزن وخوف وامن وطاعة ومعصية

وغير ذلك من الامور التي لابد لكل احد منها فعند المحاب والسرور يلجأون الى الايمان فيحمدون الله ويثنون عليه ويستعملون النعم فيما يحب المنعم وعند المكاره والاحزان يلجأون الى الايمان من جهات عديدة

يتسلون بايمانهم وحلاوته ويتسلون بما يترتب على ذلك من الثواب ويقابلون الاحزان والقلق براحة القلب والرجوع الى الحياة الطيبة المقاومة للاحزان والاتراح ويلجأون الى الايمان عند الخوف فيطمئنون اليه ويزيدهم ايمانا وثباتا وقوة وشجاعة

ويضمحل الخوف الذي اصابهم كما قال تعالى عن خيار الخلق الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا آآ فزادهم ايمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل

فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لقد اضمحل الخوف من قلوب هؤلاء الاخيار وخلفه قوة الايمان وحلاوته وقوة التوكل على الله والثقة بوعده ويلجأون الى الايمان عند الامن فلا يبطرهم ولا يحدث لهم الكبرياء

بل يتواضعون ويعلمون انه من الله ومن فضله وتيسيره فيشكرون الذي انعم بالسبب والمسبب الامن واسبابه ويعلمون انه اذا حصل لهم ظفر بالاعداء وعز انه بحول الله وقوته وفضله لا بحولهم وقوتهم

ويلجأون الى الايمان عند الطاعة والتوفيق للاعمال الصالحة فيعترفون بنعمة الله عليهم بها وان نعمته عليهم فيها اعظم نعم العافية والرزق وكذلك يحرصون على تكميلها وعمل كل سبب لقبولها وعدم ردها او نقصها

ويسألون الذي تفضل عليهم بالتوفيق لها ان يتم عليهم نعمته بقبولها والذي تفضل عليهم بحصول اصلها ان يتمم لهم منها ما انتقصوه ويلجأون الى الايمان اذا ابتلوا بشيء من المعاصي

بالمبادرة الى التوبة منها وعمل ما يقدرون عليه من الحسنات لجبر نقصها قال تعالى ان الذين اتقوا اذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا تذكروا فاذا هم مبصرون وقال صلى الله عليه وسلم

مثل المؤمن ومثل الايمان كالفرس المربوط في اخيته يجول ما يجول ثم يعود الى اخيته كذلك المؤمن يجول ما يجول بالغفلة والتجرؤ على بعض الاثام ثم يعود سريعا الى الايمان الذي بنى عليه اموره كلها

فالمؤمنون في جميع تقلباتهم وتصرفاتهم ملجأهم الى الايمان ومفزعهم الى تحقيقه ودفع ما ينافيه ويضاده وذلك من فضل الله عليه ومنه ومنها ان الايمان الصحيح يمنع العبد من الوقوع في الموبقات المهلكة

كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن

الحديث ومن وقعت منه فانه لضعف ايمانه وذهاب نوره وزوال الحياء ممن يراه حيث نهاه وهذا معروف مشاهد والايمان الصادق الصحيح يصحبه الحياء من الله والحب له والرجاء القوي لثوابه

والخوف من عقابه والنور الذي ينافي الظلمة وهذه الامور التي هي من مكملات الايمان لا ريب انها تأمر صاحبها بكل خير وتزجره عن كل قبيح فاخبر ان الايمان اذا صحبه

عند وجود اسباب هذه الفواحش فان نور ايمانه يمنعه من الوقوع فيها فان النور الذي يصحب الايمان الصادق ووجود حلاوة الايمان والحياء من الله الذي هو من اعظم شعب الايمان بلا شك

يمنع من مواقعة هذه الفواحش ومنها انه ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيحين من حديث ابي موسى رضي الله عنه انه قال مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الاترجة طعمها طيب وريحها طيب

ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها وهؤلاء القسمان هم خير الخليقة فان الناس اربعة اقسام الاول خير في نفسه متعد خيره الى غيره

وهو خير الاقسام فهذا المؤمن الذي قرأ القرآن وتعلم علوم الدين فهو نافع لنفسه متعد نفعه الى غيره مبارك اينما كان كما قال الله تعالى عن عيسى عليه السلام وجعلني مباركا اينما كنت

والثاني طيب في نفسه صاحب خير وهو المؤمن الذي ليس عنده من العلم ما يعود به على غيره فهذان القسمان هما خير الخليقة والخير الذي فيهم عائد الى ما معهم من الايمان القاصر

والمتعدي نفعه الى الغير بحسب احوال المؤمنين والقسم الثالث من هو عادم للخير ولكنه لا يتعدى ضرره الى غيره والرابع من هو صاحب شر على نفسه وعلى غيره فهذا شر الاقسام

الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون اعاد الخير كله الى الايمان وتوابعه وعاد الشر الى فقد الايمان والاتصاف بضده والله الموفق

وشبيه بهذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم المؤمن القوي خير واحب الى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير فقسم صلى الله عليه وسلم المؤمنين الى قسمين قسم قوي في عمله وقوة ايمانه وفي نفعه لغيره

وقسم ضعيف في هذه الاشياء ومع ذلك ففي كل من القسمين خير لان الايمان واثاره كله خير وان تفاوت المؤمنون في هذا الخير

    Install Faqieh

    Keep lessons, searchable transcripts, and study tools one tap away.

    Share

    Anyone with this link can open it.